09‏/06‏/2010

43 عاما بين "ليبرتي" و"أسطول الحرية"


كتب مازن السيّد في "السفير":



جو ميدورز، جندي بحرية اميركي سابق، كان على متن إحدى سفن "أسطول الحرية" التي هاجمتها واحتجزتها قوات الاحتلال الاسرائيلي، الإثنين الماضي، في المياه الدولية، خلال توجهها لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة. لكن قصة ميدورز مع همجية الاحتلال في عرض البحر، لم تبدأ هنا، بل انطلقت قبل 43 عاما، عندما كان على متن سفينة "يو إس إس ليبرتي" الاستخباراتية الأميركية، التي هاجمتها الطائرات والسفن الحربية الاسرائيلية في العام 1967، ودمرتها مسفرة عن مقتل 34 جنديا أميركيا، وإصابة 170 آخرين.

في أوائل حزيران 1967، عند بدايات حرب الأيام الستة، أرسل البنتاغون الأميركي سفينة "ليبرتي" (حريّة) من اسبانيا إلى المياه الدولية المقابلة لشواطئ غزة، لمراقبة الهجوم الاسرائيلي على الدول العربية، وهي سفينة خفيفة التسلح، وظيفتها الأساسية استخباراتية، بتجهيزات الكترونية عديدة. بعد وصولها بساعات قليلة، أرسل الجيش الاسرائيلي طائرات استطلاع للتعرف عليها، خلال 8 طلعات جوية استمرت 3 ساعات. السفينة كانت ترفع علما أميركيا ضخما.

بعد الطلعات الاستطلاعية، جاء دور مقاتلات "ميراج 3" الاسرائيلية، التي فتحت النار على السفينة، بينما كان بعض الضباط، خارج الخدمة، يستمتعون بحمام شمس على متنها، لتتلاشى فرحتهم السابقة بوجودهم في مهمة قليلة الخطورة بعيدا عن الجبهة المشتعلة في فييتنام. ثم جاء دور طائرات "ميستير" الفرنسية الصنع، التي ألقت النابالم الحارق على "ليبرتي"، قبل أن تطلق سفن حربية اسرائيلية طوربيدين على السفينة، وتفتح الزوارق القتالية النار على الجنود الذين حاولوا الهروب في زوارق النجاة.

بعد 16 ساعة من الهجوم، وصلت مدمرتان أميركيتان إلى الموقع لإخلاء الضحايا، 34 قتيلا و174 جريحا. ضابط الاستخبارات البحرية، أمر حينها الجنود بعدم التصريح بما جرى لأية وسيلة إعلام. في اليوم التالي، هاجمت قوات الاحتلال الأراضي السورية، وسيطرت على هضبة الجولان.

الموقف الأميركي الرسمي، تقرير أعدته البحرية، في 700 صفحة تبرئ اسرائيل، بالزعم أن ما جرى كان "حادثا"، إذ ادعت الدولة العبرية، أنها أخطأت بين "ليبرتي" وسفينة "الكاسر" المصرية الصدئة وعمرها 40 عاما حينها. وزير الدفاع الأميركي حينها روبرت ماكنامارا اكتفى بالقول إن "هذه الأخطاء تحدث"!

في وقت لاحق، قال مدير مكتب الاستخبارات في وزارة الخارجية الأميركية توماس هيوز :"كنا مقتنعين تماما بأن الاسرائيليين كانوا يعلمون ما يفعلون. من الصعب الوصول إلى أية خلاصة أخرى"، كما أعرب عدد من المسؤولين عن قناعتهم بأن الدولة العبرية لم تكن تريد لواشنطن ان تتنصت على مراسلاتها الحربية، أما نائب وزير الخارجية الأميركي السابق، جورج بول فيقول أن تأثير الهجوم كان أكبر في اسرائيل مما هو في واشنطن، إذ "خلص قادة اسرائيل، أنهم مهما فعلوا بما يضرّ بالأميركيين، فلن يؤدي ذلك إلى ردّ حقيقي" من واشنطن، ويتابع "لم يكن لقادة أميركا الشجاعة لمعاقبة اسرائيل على قتلها الفادح لمواطنين أميركيين، فبدا واضحا أن أصدقاء اسرائيل الأميركيين، سيجعلونها تنجو بأية فعلة ترتكبها".

أكثر من 40 عاما مضت على استهداف اسرائيل للسفينة الأميركية واكتفائها بالاعتذار "عن الحادث" لتفلت من أي عقاب، بل ليرفع حظر التسليح الاميركي عنها بعد أشهر من الهجوم، لكن الكتب والمقالات ما زالت تصدر في أنحاء الولايات المتحدة، حول أسرار ما جرى يومها، وحقيقة مراقبة غواصة أميركية قريبة من الموقع، للهجوم خلال قيامها بمهمة سرية، كما الأوامر العسكرية الاميركية للقوات بعدم التدخل.

اليوم، يبدو ان ما تعلّمه قادة الدولة العبرية، عن إفلاتهم من أية جريمة يرتكبونها، بحق الفلسطينيين، والعرب، والأميركيين، والناشطين الحقوقيين من أصقاع العالم، ما زال قائما، بقيام الغطاء الاميركي الذي يبذل قصارى جهده لإنقاذ اسرائيل من تحقيق دولي في المجزرة المرتكبة بحق "أسطول الحرية" وقد قتل فيها مواطن أميركي، وليدافع عن "حق اسرائيل المطلق في حماية أمنها".

اما وزراء العرب، فترجع ذروة اجتهادهم في الموقف، إلى الطاولة الأميركية، أو طاولة مجلس الأمن شبه الأميركية بالوكالة، وكأنهم يسيرون بعكس مجرى التاريخ الذي يؤكد أن الدولة المستعدة للسكوت عن مجزرة بحق جنودها، حماية لمصالحها المشتركة مع حليفتها العبرية، لن يتركز مجهودها السياسي والدبلوماسي والإعلامي، سوى على ايجاد المخرج المناسب لقادة الاحتلال، بأقل خسائر لشرعيتهم الدولية المهددة بشكل غير مسبوق، مع الحفاظ على "مصداقية" للدور الأميركي في الشرق الأوسط، لا يؤمن بها إلا الواهمون.

0 commentaires: