مرقد الإمام علي بن عثمان الهجويري في لاهور
جدران التكيّة تحترق في عينيه، حجرا بعد حجر. دورانه أدرك كلّه، فاستقرّ بصره وبدأت الدنيا تتلاشى من حوله. حتى لحية شيخه، لحقت بالراحلين عن فكره. ليست فتلته الاولى، فيسأل نفسه، بمساحة ومضة ذهن: ما الجديد؟ لكنه يعود، وبقفزة فوق زفير أوحد، إلى غيابه الصغير مسلّما نفسه للطريق كي لا يخرجه سؤاله عنها. عندها، وكأن النار استعجلت نارها، التحقت كلّ تململات الأشياء بحركة واحدة، وذابت كل قطرة ماء في موجة بحجم السماء، رآها توّاقة لسحقه، ولم يشهر خوفه. عندما طرحته أرضا، غاب حتى عن غيابه...
مرّ الليّل على جسد يوسف، إلى أن تجاوزت عطايا الشمس، شقوقا في جدران التكيّة المقببة. فلسعت أذنيه بنداء كهربائي أغلفه، ثم سافر نحو قلبه ليضيء عينيه، ويشرّع مقلتيه من جديد، بوابة للدنيا. ضاق فمه، وآلمه عسل الدماء المتدفق إلى أطرافه. أعاد الهواء إلى رئتيه، ومعه ما تبقى من ليله الذي مضى، فاستقام ظهره واستكانت أكتافه كأنها ودّعت وزر أحلامها. دعوة السماء إلى باب الخروج من تحت القبة الملوّنة بالزرقة، أقلقت معدته ودفعتها إلى أعلى، فاستجابت رجلاه، ومشت قاصدة شجرة السنديان التي أعطت اسمها وقدم تضاريس وجهها للتكيّة. "مندر كا پير"، معبد الشجرة.
يقول الرواة إن التكيّة كانت مرتعا لأتباع مذهب "دارما جاين"، أحد روافد الهندوسية النورانية، وعندما بلغ إمام الصوفيّة علي بن عثمان الهجويري قلوب الزاهدين فوق تلة السنديانة، عرض المريدون، من حديثي السلوك، على أبي الحسن أن يزال نقش كلمة "مندر" أو معبد، عن بوابتها ليستبدل بلفظة التكيّة أو ما شاء. ضحك "كنج بخش" كما يسميه البنجابيون، وذكرهم بقول محمد بن عبد الله العربي، لأعرابيين لفظوا الشهادتين فظنّوا الإيمان داخلهم: قولوا أسلمنا ولم يدخل الإيمان في قلوبكم. لكنه وكي لا يثبط عزيمتهم، أو يحرج أنوفهم، زاد الحقّ بالإحسان، وسألهم أن يبنوا للمعبد قبّة يجملّونها بلون السماء.
21 آذار 2018
أرسل نظري نحو لاهور، نحو مقام الهجويري، وأشتاق للبازار. تبدو صغيرة من هنا، لكن سوقها وحده كان يشعرني صباحا أن البشر عافوا مساكنهم حجّا إلى لاهور. لكنّني لن أعود إليها، اخاف أن أرى ما آلت إليه بعد "حرب البنجاب". مرقد "كنج بخش"، الذي كانت من حوله أصوات قرّاء القرآن لا تنقطع طول الليل وامتداد النهار، وإليه تطمئن قلوب آلاف الضعفاء كل يوم، لم يذد عنه أحد. وبعدما أريقت دماء أبكت جدرانه، في تفجير تلو الآخر، داخل حرم مسجده وقداسة الحاضر فيه، هجره الفقراء يبكونه كاليتامى، وانقطع عنه صدى القرآن إلا بصوت الشيخ قمر الزمان، الذي أنهى تجويد سورة الشورى بصوت يرسم سجادة صلاة فوق رأس السامع، وهوى تحت أول صاروخ. باشتعال الصاروخ الأخير كانت قبلة المستضعفين قد اندثرت حجرا حجرا.
كيف أعود إلى لاهور، وقد دفنتها بيديّ عند باب التكيّة، في أول ليل قضيته تحت قبتها؟ كنت قد وقفت على أشلاء قمر الزمان، قبل أن تدركني عاصفة رمتني أركض بعيدا عن المدينة، تاركا ورائي خيطا من دموع، حتى زلّ جسدي فأغشي عليّ. وجدني دراويش "مندر كا پير"، وحملوني إلى التكيّة تحت القمر. عاد إليّ نبض قلبي في عبق الليل، وايقظني صوت خلته لقمر الزمان، فعدوت إلى عتبة معبد، علّي أكذّب عينيّ في ما رأتاه بلاهور. لكنني وجدت سنديانة، تحضن شيخا أخفى شجيّه ملامح صوته. وصدح ينشد بيتين بالعربية، كلّما أعادهما كرّة، صرخ منتشيا كأنه بهما حديث المعرفة.
يا من سقام جفونه لسقام عاشقه طبيب
حزت المودة فاستوى عندي حضورك والمغيب
بقيت عند العتبة، وقرّرت أن يطلع عليّ الفجر، وأنا حاجب لاهور عن قلبي. وهكذا كان.










