05‏/07‏/2011

قـرصنــة الثــورة العـربيــة: بيــن حســن البنّــا وصنــدوق النقــد



مازن السيد

ينشغل الكثير من مثقفي العرب ومحلليهم اليوم، في جدال عقيم حول "عفوية" الثورات العربية، ومدى استحقاقها للدعم في ظلّ "مخططات التفتيت" الأميركية والغربية، غافلين من أعلى أبراجهم الرملية، عن دورهم في حماية منجزات القوى الشعبية لا التشكيك في مسيرتها. وبالنظر إلى المعطيات، يتضّح جلياً أن مهمة ضخمة تقع على عاتق العارفين بشؤون السياسة والاقتصاد في هذا الصدد، لأن المؤامرة الكبرى الواقعة اليوم تهدف إلى اختطاف الثورات العربية وامتصاص زخمها لمنعه من التحوّل إلى قوة تغيير حقيقية، تعيد النظر في مسلّمات الحكم والإدارة على مستوى عالمي، ولا تكتفي بتبديل الوجوه.
عملية القرصنة هذه التي قصّ شريط افتتاحها الرسمي، الرئيس الأميركي باراك اوباما في خطابه عن "الربيع العربي"، انطلق الاعداد لها يوم أدركت واشنطن ومعها حلفاؤها، أن عدوى الشهيد الاول محمد البوعزيزي ستلهب الشوارع العربية، فجاءت خلاصاتهم على محورين أساسيين: ضمان عدم خروج المجتمعات الثائرة من حظيرة النظام الاقتصادي العالمي، ووأد انعكاسات الفكر الثوري على العقد الاجتماعي والسياسي عبر نسج تحالف جديد مع تيار يستقطب شعبية واسعة بعناوينه الدينية التاريخية، ويستوفي في الوقت نفسه شروط الإذعان الاقتصادي والسياسي: "الإخوان المسلمون".

صندوق النقد

عندما وقع الفرنسي دومينيك ستراوس - كان في فخ شبقه الجنسي، داخل غرفة فندق نيويوركي، لم يكن عبثاً وصف سقوطه بتهاوي "الرجل الأقوى في العالم"، لأن الذي يدير صندوق النقد الدولي، يتحكم فعلا بمصير حكومات وشعوب بأسرها، فيفرض معايير النموذج الاقتصادي، مقابل وقوفه على خزّان القروض والمساعدات الدولية، مع توأمه البنك الدولي. وما مسارعة هذه المؤسسة التي ما زالت تبحث عن رأس جديد لها، إلى "إقراض" مصر وتونس أولا، وتحديد خطة مالية لغد "الربيع العربي" ثانيا، سوى خطوة أولى في تقويض انجازات الثورة وتجميد نسق الصحوة العربية الفعليّ.
يقول وزير المالية اللبناني الأسبق جورج قرم لـ"السفير"، إنه "لا شك في وجود محاولة استيعاب زخم الثورات العربية واستغلال الضائقة الظرفية لإعادة هيمنة السياسات النيوليبرالية، عبر إدخال صندوق النقد لرزمة مساعدات وبرامج اقتصادية جديدة، تقابلها شروط عديدة، كما يفعل في اليونان وغيرها".
كما يؤكد المتحدث باسم الحزب الشيوعي المصري صلاح عدلي الرؤية هذه بقوله إن "المحاولة واضحة لاحتواء الثورة المصرية، وخاصة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، إدراكا من هذه المؤسسات العالمية، والتي تمثل مصالح الرأسمالية الاحتكارية للدول الامبريالية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لأولوية ضمان عدم انتهاج سياسات اقتصادية بديلة تحقق مطالب الثوار في مجال العدالة الاجتماعية، والتعتيم على ضرورة التخلي عن السياسات النيوليبرالية".
المشهد الصارخ بتناقضاته كان في مدينة دوفيل الفرنسية الشهيرة بفنادقها الفاخرة وشواطئها السياحية. فقمة مجموعة الثماني، التي خصصها أربابها الغربيون، لتأسيس "شراكة دائمة" مع "الربيع العربي"، استقطبت رئيسي الوزراء، المصري عصام شرف، والتونسي الباجي القائد السبسي، للتوقيع على صكوك اختطاف ثورتين عربيتين صنعتهما القوى الشعبية بدماء الشهداء، وعرق العمّال والمسحوقين اجتماعياً، في القصرين وسيدي بوزيد والمحلّة وبور سعيد.
وفي قمة دوفيل التي يشبهها قرم بلقاء لونغ آيلاند الذي استضاف الزعماء العرب بعد غزو العراق، عام 2004، تم تقديم صندوق النقد الدولي، بصورة أبوية، على أنه السلطة الساهرة على تحقيق طموحات الشعوب العربية، "محذرا" من مغبّة عدم الاستجابة "لحاجات العرب الاقتصادية"، ومعربا عن "استعداده" لتقديم مساعدات بمليارات الدولارات. وقد ذهبت الاستهانة بالعقول العربية، إلى درجة حديث صندوق النقد عن "ضرورة أن يكون النمو الاقتصادي في الشوارع وليس على الأوراق فحسب"، علماً بأن تقارير هذه المؤسسة التي تقع في مركز المرجعية الاقتصادية العالمية، كانت قد أشادت بأداء اقتصادات مصر، وتونس، وليبيا، قبل فترات سبقت الثورات العربية بأيام قليلة في بعض الأحيان.
 "الخطر الكبير" كما يصفه قرم، يقع في رعاية النظام العالمي المتمثل بالمؤسسات المالية والعواصم السياسية، "لإعادة تكوين النظام في الدول العربية، بشكليّة أكثر حضارية وأكثر انضباطاً، فيما يبقى جوهر الأداء الاقتصادي كما هو، وتبقى التنمية مشوهة في إطار نموذج ريعيّ لا يتعرف على الإنتاجية والابتكار. عندها لن تتمكن الثورات العربية من كسر دائرة الهيمنة الغربية". لكن الثورات العربية ليست عمياء. ويقول عدلي لـ"السفير" إن الجماهير المصرية الحاشدة التي عادت إلى الشارع يوم الجمعة الماضي، حملت "مطالب العدالة الاجتماعية بشكل طاغ. والمطلب ليس محاكمة السياسيين فحسب، بل إقالة مدراء المصارف والشركات الاحتكارية الفاسدين، والحدّ من الخصخصة، واتخاذ إجراءات عادلة عبر فرض ضرائب تصاعدية على الشركات، ووضح حدّين أدنى وأعلى للأجور، وضرورة الاعتماد على الموارد الذاتية في تحقيق تنمية تلبي مصالح الجماهير الشعبية". "هذه المطالب إذا تحققت من شأنها أن تغير النهج الاقتصادي بشكل يتعارض مع العولمة الرأسمالية"، يوضح عدلي، و"لذلك انطلاقا من دور مصر المهم والفعال في المنطقة، هم يسارعون إلى تقديم هذه المساعدات السخيّة، حتى نبقى على نفس النهج السابق مع بعض التعديلات الطفيفة التي لا تتجاوز السطحية إلى العمق".
لكن سؤالا من الجدير طرحه في هذه الظروف: كيف تتمكن هذه المنظومة الدولية من العبور إلى عقر دار الثورة، وما هي قنواتها لتطبيق نواياها في استيعاب الثورات؟

"النخبة" والإغراء
مصطفى النابلي: المحافظ الجديد للمصرف المركزي التونسي بعد الثورة، كبير اقتصاديي البنك الدولي لشؤون الشرق الأوسط وشمال افريقيا سابقاً...جلول عيّاد: وزير المالية التونسي بعد الثورة، أوّل مدير عام لمجموعة "سيتي بنك"، إحدى أبرز عمالقة القطاع المصرفي العالمي، لمنطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط...سمير رضوان: وزير المالية المصري، بالتعيين من قبل الرئيس المخلوع حسني مبارك إبان تشكيل حكومة أحمد شفيق في 31 كانون الثاني، وتم إبقاؤه في منصبه بعد تنحية مبارك وإقالة حكومة شفيق الثانية...واللائحة تطول.
هذه الأسماء وغيرها، هي المسؤولة اليوم بشكل أساسي عن العلاقات المالية بين دول عربية تدخل في مرحلة جديدة، ومنظومة عالمية بيّنا جهودها لتقويض منجزات الثورة. لكن هذه الأسماء التي تقدّم على أنها "لامعة" و"ذات خبرات عالمية مشهود لها"، هي في الحقيقة جسور بحتة للاستمرار في نفس النهج الاقتصادي السابق، ويجب استبدال عبارات "لامعة" بـ"مرتبطة بعلاقات وثيقة مع الأوساط المالية الغربية"، و"ذات خبرات عالمية" بـ"منتمية تماما للنهج النيوليبرالي الذي تقوده مؤسسات "بريتون وودز"، أي صندوق النقد والبنك الدوليين".
ويشير جورج قرم لـ"السفير"، إلى أن الثورات العربية "شهدت تحالفاً بين الطبقة الوسطى والفئات الشعبية"، متسائلا "هل سيبقى هذا التحالف؟". صلاح عدلي، يسلّط بدوره الضوء على عمق هذه الفكرة موضحاً واقعها في مصر تحديداً بالقول إن "جزءاً كبيراً من القروض والبرامج التي ترعاها المؤسسات الدولية، يخصص في الأساس لتمويل الصناعات الصغيرة، وذلك لاستيعاب قطاعات الطبقة الوسطى الرافضة للنظام، وامتصاص غضبها وعزلها عن التحالف مع الطبقات الشعبية، لضمان استقرار اجتماعي يحقق مصالح القوى الغربية عبر احتواء الطابع الثوري للعديد من الفئات الوسطى التي عبرت عنها خلال الفترة الماضية". هذا الاستقطاب لفئات الطبقة الوسطى، يتم إذن على عدة محاور وبأسباب مختلفة. كما يوضح جورج قرم أن "جزءاً كبيراً من النخبة العربية المعادية للأنظمة الاستبدادية، هو منتوج الثقافة الغربية الحديثة، ومثقّف على يد الجامعات الغربية التي تعلم مبادئ النيوليبرالية" بشكل منهجي غير نقدي في معظم الاحيان.
هكذا، ورغم الحديث المتكرر عن دعم المجتمع المدني على لسان المسؤولين الغربيين، من اوباما إلى نيكولا ساركوزي، وحتى صندوق النقد الدولي الذي أطلق في آب 2007 موقعاً الكترونياً عن شراكته مع المجتمع المدني، يفضل الغرب التعامل مع وزير عيّنه مبارك كسمير رضوان، وجنرالات ينتمون بلا أدنى شك إلى "نخبة اقتصادية" ترى في الثورة تهديداً من الدرجة الاولى لمصالحها المالية، بصرف النظر تماما عن الحوار مع مجموعات المجتمع المدني والنقابات، كما اقترح مدير مكتب منظمة العمل الدولية في شمال افريقيا محمد طرابلسي في حوار مع صحيفة الـ"غارديان" البريطانية.
منذ التسعينيات، شهدت مصر نتيجة البرامج الاقتصادية التي قادها صندوق النقد الدولي، خصخصة صناعات عديدة في قطاع النسيج المصري الضخم، ما أدى إلى تقليص حجم الكتلة العاملة في هذا القطاع من نصف مليون إلى ربع مليون عامل. وهؤلاء الذين حافظوا على وظائفهم، واجهوا ارتفاعاً مطرداً للأسعار يوازيه جمود في دخلهم. هؤلاء هم الذين زرعوا البذور الاولى للثورة المصرية خلال إضرابهم في منطقة المحلّة الكبرى. لذلك، فمن الضروري بالنسبة للغرب والهيمنة النيوليبرالية، أن يتم فكّ التحالف المثمر لهذه القوى العاملة مع الطبقات الوسطى، وتصوير الثورة المصرية على أنها "فورة" آنية بفضل الـ"فيسبوك"، لا نتيجة تراكمية لنضال امتد أعواماً، بل عقوداً إذا عدنا لتظاهرات الخبز التي انطلقت عام 1977، إبان سياسة "الانفتاح" الاقتصادي على الغرب التي قادها أنور السادات.

الخليج والنموذج الريعي
إذن، تضع المؤسسات والانظمة النيوليبرالية ثقلها، لسلخ الثورة عن ديناميكيتها النضالية التراكمية، وشدّ الطبقة الوسطى للعودة إلى حظيرة مسلماتها الاقتصادية والاجتماعية بعيدا عن التحالف مع القوى الشعبية الكادحة، الذي أظهر فعالية استثنائية في قلب معادلات الوضع القائم، في تونس ومصر وغيرهما. لكن الغرب ليس وحيداً في عملية التفكيك الاجتماعي والاقتصادي هذه، لأن حليفه الأكبر في المنطقة، يقع إلى الشرق من مصر وتونس، وعلى تراب مهد العروبة والإسلام، فوق تلك البقعة الممتدة من البحر الأحمر إلى الخليج العربي...
ويشير صلاح عدلي لـ"السفير" أن احتواء الثورات العربية لا ينطبق على الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين فحسب، "بل للأسف، فإن الدول العربية الرجعية كالسعودية تسارع إلى إعطاء القروض والمنح لضمان عدم خروج مصر عن الخط المعتدل في السياسة الخارجية". لكن جورج قرم يشير أيضاً إلى بعد اقتصادي هام لهذا "النشاط" السعودي والخليجي عموماً في استيعاب الثورات العربية.
وفيما يأسف لتوجه الحكومة المصرية متمثلة بعصام شرف إلى السعودية ثم دوفيل، "بدل التوجه إلى نماذج أخرى كالصين والبرازيل"، يشير قرم إلى أن "السعودية تشكل النموذج الطاغي لدولة الاقتصاد الريعي الذي امتد إلى دول أخرى عبر قنوات عديدة منها هجرة الكفاءات وتصدير النموذج. كمثل لبنان، وكان ذلك مسؤولا عن الكثير من مشاكله الاقتصادية". ويلفت الخبير الاقتصادي إلى ضرورة "الخروج من الاقتصاد الريعي نحو القطاعات الإنتاجية، عبر الاستفادة من الإمكانيات الحقيقية التي تتمتع بها دولنا، واستثمار المجال الواسع لتحويل الاقتصادات العربية إلى اقتصادات متنوعة، ما يتطلب تغييرا في الثقافة الاقتصادية، واستفادة من نماذج عديدة مثل الصين وكوريا الجنوبية وتايلاندا وسنغافورة".
وعوضا عن الاستفادة من تجربة الهند مثلا "التي تحول البعض من أفقر مناطقها إلى مراكز لخدمات التكنولوجيا العالية"، تبقى الدول العربية "مشدوهة بالغرب" حسبما يقول قرم. ويبقى التركيز على قطاعات العقارات والسياحة مثلا، التي قد تخلق فرص عمل، لكنها تغيّب تماما ديناميكية الانتاجية والابتكار التكنولوجي والإبداع. وفي هذه الظروف التي توجدها الحكومات العربية، "لا يمكن تحميل الرأسمال مسؤولية ممارساته" يقول قرم، "فهو يتجه طبيعياً إلى استثمار فائضه في القطاعات هذه (السياحة والعقارات) التي تحقق له أرباحاً سهلة وسريعة، بدل العمل بشكل مثابر ومخاطر على الاستثمار في قطاعات ذات انتاجية حقيقية. وعلى الدولة أن تخلق الظروف المناسبة عبر كبح جماح الأرباح الكبرى"، وتوجيه الاستثمار. وعلى ذلك، أمثلة عديدة في التاريخ الاقتصادي العالمي، كاليابان وألمانيا.

"الإخوان" والإسلام الرأسمالي
الدول الخليجية، تلعب دورا بارزا على مستوى آخر من تحويل مسار الثورات العربية. دور ناتج عن ايوائها لأنواع متشعبة من "الإسلام السياسي"، تبتعد تماما عن أي ثورية جوهرية في الموقف السياسي والاقتصادي. وبعد عقد على ترويع المجتمعات العربية والإسلامية بـ"فزّاعة" الإسلاميين و"إرهابهم"، أتحفنا المسؤولون الغربيون من هيلاري كلينتون إلى آلان جوبيه والسفيرة الأميركية في مصر مارغريت سكوبي بتصريحات عديدة عن "استعداد" الغرب للتعامل إيجابياً مع "حكومات إسلامية"، والدخول في "حوار" مع التيارات الإسلامية. والحديث عن هذه التيارات في هذا الإطار، يخصّ بشكل طبيعي جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر وحتى سوريا، والحركات المتفرعة منها تاريخياً مثل "النهضة" في تونس، لأنها الوحيدة التي من الممكن تصوّر وصولها إلى سدة الحكم "ديموقراطيا". "كان ذلك واضحا بعد الثورة مباشرة"، يؤكد المتحدث باسم الحزب الشيوعي المصري لـ"السفير"، مشيرا إلى تصريحات كلينتون بالاستعداد "للتعامل مع أي حكومة إسلامية بعد تصريح القيادي في الإخوان المسلمين عصام العريان، بأن الجماعة تدعم اقتصاد السوق الحرّة. والأميركيون يبحثون عن بديل سريع للنظم الاستبدادية، للتوصل إلى نوع من استقرار مع بعض الإصلاحات الشكلية وتحجيم الفساد". ويوضح عدلي أن "الإخوان" يشكلون هذا البديل بالنسبة للأميركيين "بسبب رصيدهم الشعبي الناتج عن الارتداد إلى الإسلام السياسي الحاصل من السبعينيات، ولأنهم متحالفون مع جزء كبير من القوى الليبرالية (الخادمة لمصالح الغرب) وبقايا النظام المخلوع. ويشكل هذا التحالف، الطبقة الحاكمة الجديدة التي من الواضح الاتجاه إليها". وفيما يشير إلى سيطرة "الإخوان" على تشكيلة لجنة تعديل الدستور، وإصرارهم على نظام الانتخابات الفردي "الذي يشجع النفوذ الحالي للعصابات والبلطجية والعشائر، وغيرها من أمور تقليدية لا تفيد التطور الديموقراطي"، يؤكد عدلي على الدعم الخليجي الذي يتلقاه "الإخوان" على مستويات متعددة. ويشدد على أن الجماعة، ورغم إعلانها عن توجهها نحو دولة مدنية بمرجعية إسلامية "إلا انها إذا تحكمت في مسار البلاد، فستكرر نفس نهج النظام السابق، بل سيكون أكثر استبدادا، لوجود مؤشرات عديدة على أنها ستتوجه نحو الدولة الدينية". أما التيارات السلفية التي "ليست موحدة ولا منظمة"، فمن "المؤكد انها ستتوحد مع الإخوان والجماعة الإسلامية لإنجاح قائمة إسلامية في الانتخابات، بتوجه مدعوم سعودياً".
وتجدر الإشارة هنا إلى شخصية لعبت دورا محوريا في هذا السياق، هو الشيخ يوسف القرضاوي، المنتمي تاريخياً إلى "الإخوان" والذي توجه إلى قطر بعد فترات قضاها معتقلا لدى نظام القائد الراحل جمال عبد الناصر، وبعد سحب جواز السفر المصري منه. وحصل القرضاوي على الجنسية القطرية، حيث كان من مؤسسي كلية الشريعة الإسلامية. وأبدى القرضاوي ترحيبه بتولي "الإخوان" حكم مصر وأنهم "الجماعة الإسلامية الوسطية المنشودة" حسب وصفه، واعتبر أن مشروع مؤسسها حسن البنا هو "المشروع السني الذي يحتاج إلى تفعيل"، ووصف "الإخوان المسلمين" بأنهم "أفضل مجموعات الشعب المصري بسلوكهم وأخلاقياتهم وفكرهم وأكثرهم استقامة ونقاء"، فيما كتب في مذكراته فصلا عن وفاة عبد الناصر عنوانه "لا شماتة في الموت...ولكن".
وليس مفاجئا أن يرسو المشروع الغربي للمنطقة على هذا النموذج من "الإسلام السياسي الذي يقدم له كل ضمانات السياسة الخارجية والاقتصادية"، بصرف النظر عن التبعات الاجتماعية والسياسة الداخلية لهذا النموذج، والتي من جهتها تشكل الهدف الأساسي لمراكز الثقل الإسلامي التقليدية في الخليج، مثل قطر والسعودية. ودول الخليج هذه التي فاجأت الجميع بـ"غيرتها وحرصها" على ثورة الشعب الليبي، لم تتوان عن العنف العسكري والأمني ضد ثوار البحرين، فيما وقعت الإمارات عقدا بأكثر من 500 مليون دولار مع شركة المرتزقة "بلاك ووتر" التي ارتكبت مجازر مشهودة في العراق وأفغانستان، لتأسيس قوات خاصة، تنفذ عمليات خارج الإمارات وداخلها، مهامها الأساسية "حماية المنشآت الحساسة....والسيطرة على الشغب الشعبي". ثم إن مجلس التعاون الخليجي دعا نظامين ملكيين آخرين للانضمام إليه، هما الأردن والمغرب، وكأنه بصدد تشكيل تحالف جديد عنوانه إجهاض النهضة العربية. أما طهران، فلها أيضاً نصيبها من تصوير الثورات العربية على انها "صحوات إسلامية"، وتجليات لـ"الوعد الإلهي" و"الرؤية الخمينية"!
لكن الثورة تغيّر وعي الشعوب، وتضيف إليه في أيام ما لم يحققه في أعوام. وتظاهرة الجمعة الماضية في القاهرة، التي شملت مئات الآلاف من دون مشاركة "الإخوان" والتيارات الإسلامية، حققت خسارة فادحة للجماعة وداعميها، الذين يحاولون التراجع والاعتذار، "لأن الجماهير تتعلّم".
إنه تحالف "حسن البنّا" مع صندوق النقد الدولي ضد الثورة، تحت عباءة إسلام الانظمة الخليجية المتحالف منذ عقود مع النيوليبرالية الاستعمارية بالاقتصاد والسياسية والعسكر. فليتوقف تسخيف النهضة العربية الجديدة، وتأطيرها بتغيير وجوه وتجميل نظم. المعركة الحقيقية لم تكد تبدأ، وإذا لم نقلب طاولة الخيارات القائمة، لابتكار نماذج جديدة، ستضيع يميننا تحت الجبّة السوداء، وترتدّ ثورتنا إلى نحورنا.

0 commentaires: