05‏/03‏/2010

رمسيس...الإبداع النادر





ليس سهلاً على الفنّان اللبناني جوهراً وظاهراً، أن يكون تعبيره الفنّي عالقا ما بين صبغة
«أجنبية» طبعته في منشئه، وتبنٍ محلي فشل غالباً في جعله ينطق بلسان لبناني. ورمسيس، أو محمد الحاج، يقع في هذا السياق: مناضل بسلاح الـ«هيب هوب»، الذي يصبح بين يديه بندقية أميركية أو فرنسية الماضي، تقذف المستقبل برصاص صادق من صنع شوارع المدينة، من خلف جدران الباطون المسلّح.

 في عالم الـ«هيب هوب» المتعدد الفنون، رمسيس يحترف الـ«راب» صنعة، ويمنحه جذوراً في بلاد ندر فيها من أعطى هذا الفن حقّه، نقدا دقيقا لثالوث المحتوى الفكري والإيقاع الكلامي والإخراج الأدائي، وإنتاجا يرقى إلى مستوى وصفه بمعايير هذا الثالوث. يعوّل رمسيس على تقنيات ارتبطت بتاريخ الـ«راب» في إنتاج الهيكلية الموسيقية، كالـ«sampling» الذي يقوم على استخدام مقاطع من أغان تنتمي إلى أنواع موسيقية أكثر نغمية. في العصر الذهبي للـ«هيب هوب» الأميركي، كان حرفيو الـ«راب» في أحياء الـ«برونكس» والـ«كوينز» وغيرها، يقتطعون من أعمال عمالقة الجاز والبلوز والفانك والسول، أما رمسيس فيعود إلى مخزوننا الموسيقي الخاص، إلى كلاسيكياتنا الشرقية، ويبقي أذنا له في اتجاه مخزون أحفاد القارة السوداء، التي لا بد لها أن تأخذ مكانة خاصة في هذا النوع الموسيقي، من حيث إيقاعاتها المتجذرة المتحولة، وطاقتها المتأصلة في تحويل المأساة الاجتماعية مصدر إلهام فنّي.

فوق إنتاجه الموسيقي، وهو في الـ«راب» حامل للكلمة، لا يصحّ لأنغامه أن تطغى بتعقيدها على النص، ينحت رمسيس كلماته بأسلوب يطلق العنان لمخزون لغتنا المحكية، إيقاعا وصوراً، وتلاعباً بين المعنى والشكل، ليخاطب بعمق آفات مجتمعنا. كلماته لا هي موجهة للـ«مثقفين» فوق أبراجهم، ولا هي مقولبة لإرضاء ذاتية «ولاد الشارع». ولا عجب في ذلك، فابن البسطة الفوقا، يجهد فكريا بالقراءة والاطلاع، واعيا في الوقت نفسه لدوره بين محيطه وأهمية أن تصل رسالته إلى «الحيّ». هكذا جمع رمسيس مادته الغنيّة، كصحافي لا تفصله عن الشارع سوى مساءلته الدائمة للواقع، في «ثورة دائمة» كما يقول، ليسجل بجهد فردي واستقلالية تامة عن شركات الإنتاج و«ديناصورات» المشهد الموسيقي، ألبومه الأول باطون مسلح.

0 commentaires: